أبي الفرج الأصفهاني

9

الأغاني

أجالدهم يوم الحديقة [ 1 ] حاسرا كأن يدي بالسيف مخراق [ 2 ] لاعب فالتفت إليهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : « هل كان كما ذكر » ؛ فشهد له ثابت بن قيس بن شمّاس وقال له : والذي بعثك بالحق يا رسول اللَّه ، لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه عليه غلالة وملحفة مورّسة [ 3 ] فجالدنا كما ذكر . هكذا في هذه الرواية . / وقد أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثني عمي مصعب قال : لم تكن بينهم في هذه الأيام حروب إلا في يوم بعاث [ 4 ] فإنه كان عظيما ، وإنما كانوا يخرجون فيترامون بالحجارة ويتضاربون بالخشب . قال الزّبير وأنشدت محمد بن فضالة قول قيس بن الخطيم : أجالدهم يوم الحديقة حاسرا كأن يدي بالسيف مخراق لاعب فضحك وقال : ما اقتتلوا يومئذ إلا بالرطائب والسّعف . قال أبو الفرج : وهذه القصيدة التي استنشدهم إياها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من جيّد شعر قيس بن الخطيم ، ومما أنشده نابغة بني ذبيان فاستحسنه وفضّله وقدّمه من أجله . أنشد النابغة من شعره فاستجاده : أخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال قال أبو غزيّة قال حسّان بن ثابت : قدم النابغة المدينة فدخل السّوق فنزل عن راحلته ، ثم جثا على ركبتيه ، ثم اعتمد على عصاه ، ثم أنشأ يقول : عرفت منازلا بعريتنات [ 5 ] فأعلى الجزع للحيّ المبنّ [ 6 ] / فقلت : هلك الشيخ ورأيته قد تبع قافية منكرة . قال ويقال : إنه قالها في موضعه ، فما زال ينشد حتى أتى على آخرها ، ثم قال : ألا رجل ينشد ؟ فتقدّم قيس بن الخطيم فجلس بين يديه وأنشده : أتعرف رسما كاطَّراد المذاهب حتى فرغ منها ؛ فقال : أنت أشعر الناس يا بن أخي . قال حسان : فدخلني منه ، وإنّي في ذلك لأجد القوّة في نفسي عليهما [ 7 ] ، ثم تقدّمت فجلست بين يديه ؛ فقال : أنشد فو اللَّه إنك لشاعر قبل أن تتكلَّم ، قال : وكان يعرفني قبل ذلك ، فأنشدته ؛ فقال أنت أشعر الناس . قال الحسن [ 8 ] بن موسى : وقالت الأوس : لم يزد قيس بن / الخطيم النابغة على :

--> [ 1 ] الحديقة : قرية من أعراض المدينة في طريق مكة ، كانت بها وقعة بين الأوس والخزرج قبل الإسلام ( كذا في ياقوت ) . [ 2 ] المخراق : خرقة مفتولة يلعب بها الصبيان ، وتسمى في مصر « بالطرة » . [ 3 ] مورّسة : مصبوغة بالورس وهو نبات أصفر تصبغ به الثياب ويتخذ منه طلاء للوجه . [ 4 ] بعاث : موضع في نواحي المدينة ، كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية [ 5 ] عريتنات : واد ذكره ياقوت في « معجمه » ، واستشهد بأبيات لداود بن شكم أولها : معرّسنا ببطن عريتنات ليجمعنا وفاطمة المسير [ 6 ] المبن : المقيم . [ 7 ] كذا في أ ، م . وفي سائر النسخ : « عليهم » . [ 8 ] كذا في ح . وفي سائر النسخ : « حسين » وسيأتي قريبا « الحسن » باتفاق النسخ .